عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
123
اللباب في علوم الكتاب
ومعنى الردّ هنا : الرّجوع ؛ قال - تعالى - : وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي [ الكهف : 36 ] ، وقال في موضع آخر : وَلَئِنْ رُجِعْتُ [ فصلت : 50 ] . فإن قيل : ما معنى الرّدّ في الرّجعيّة وهي زوجة ، ما دامت في العدّة ؟ فالجواب : أنّ الردّ والرّجعة يتضمّن إبطال التّربّص والتّحرّي في العدّة ، فإنّها ما دامت في العدّة ، كأنّها جارية إلى إبطال حقّ الزّوج ، وبالرّجعة بطل ذلك فسمّيت الرّجعة ردّا ، لا سيّما ومذهب الشّافعيّ أنه يحرم الاستمتاع بها إلّا بعد الرّجعة ، فالردّ على مذهبه فيه معنيان : أحدهما : ردّها من التّربّص إلى خلافه . والثاني : ردّها من الحرمة إلى الحلّ . قوله : « إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً » فالمعنى : أن الأزواج أحقّ بالمراجعة ، إن أرادوا الإصلاح ولم يريدوا المضارّة ؛ ونظيره قوله - تعالى - : وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [ البقرة : 231 ] . والسّبب في ذلك : أنّ الرّجل كان في الجاهليّة يطلّق امرأته ، فإذا قرب انقضاء عدّتها ، راجعها ثم تركها مدّة ثمّ طلّقها ، فإذا قرب انقضاء عدّتها ، راجعها ثمّ طلّقها ثم بعد مدّة طلقها يقصد بذلك تطويل عدّتها ، فنهوا عن ذلك « 1 » ، وجعل إرادة الإصلاح شرطا في المراجعة . فإن قيل : الشّرط يقتضي انتفاء الحكم عند انتفائه ، فيلزم إذا لم توجد إرادة الإصلاح ألّا تصحّ الرّجعة ؟ فالجواب : أنّ الإرادة صفة باطنة لا اطّلاع لنا عليها ، والشّرع لم يوقف صحّة المراجعة عليها ؛ بل جوازها فيما بينه وبين اللّه - تعالى - موقوف على هذه الإرادة ، فإن راجعها لقصد المضارّة ، استحقّ الإثم . فصل [ في وطئ المعتدّة الرّجعيّة في عدّتها ] نقل القرطبي « 2 » عن مالك ، قال : إذا وطئ المعتدّة الرّجعيّة في عدّتها ، وهو يريد الرّجعة وجهل أن يشهد ، فهي رجعة ، وينبغي للمرأة أن تمنعه الوطء حتى يشهد ؛ لقوله - عليه الصّلاة والسّلام - : « إنّما الأعمال بالنّيّات وإنّما لكلّ امرئ ما نوى » « 3 » فإن وطئ
--> ( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 205 . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 3 / 80 . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 1 / 15 ) كتاب بدء الوحي : باب كيف كان بدء الوحي حديث ( 1 ) ، ( 5 / 190 ) كتاب العتق : باب الخطأ والنسيان ( 2529 ) ، ( 7 / 267 ) كتاب مناقب الأنصار حديث ( 3797 ) . ومسلم ( 3 / 1515 ) كتاب الإمارة : باب بيان قدر ثواب من غزا فغنم حديث ( 155 / 1907 ) من حديث عمر .